adsens

أكد مختصون في مجال الأسرة والتربية واستشاريون اجتماعيون أن تزايد وتيرة التطور التكنولوجي جعل عملية الاتصال بالجوال (s.m.s) هي الوسيلة الأساسية للسلام والتواصل بين أفراد المجتمع، 

ووصفوها بأنها وسيلة صامتة خالية من مشاعر الحب والتصافح والابتسامة والحوار، وخالية من الحميميّة، وقلّت معها فرص التواصل الحقيقي بين الأفراد، حيث إن تلك الرسائل أسهمت في التقليل من التواصل الاجتماعي المباشر بين أفراد الأسرة الواحدة، وأضعفت العلاقات الجميلة الدافئة التي تفتقدها قلوبنا، ولا تحقق مفهوم صلة الرحم الحقيقية، وليس فيها استفسار عن مشاعر الآخر وأوضاعه, ما أوجد الوحدة لدى العديد من الأفراد، وقلل العلاقات والزيارات العائلية الجميلة وزاد من نسبة الاكتئاب، وأخفت أيضاً معاني الأعياد والمناسبات. حتى إنها استبدلت واجب العزاء وزيارة المريض بالرسائل، التي لا يحتاجها المريض أو المبتلى،بقدر ما يحتاج أخًا أو صديقًا يقف معه.

الأطفال ضحية سهلة

 بهذا التأكيد بدأ الدكتور نور الدين ناصر محاضرته التي دعت إليها جمعية العاديات في طرطوس مؤخراً، فجاءت بعنوان (سلبيات ومخاطر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة).
لافتاً إلى ما قاله باحثون في جامعة ولاية ميشيغان: إن هناك علاقة واضحة بين استخدام عدة وسائل تواصل اجتماعي في الوقت عينه والمشكلات النفسية، وسبب هذه العلاقة لا يزال مجهولاً، وقالوا لا نعلم ما إذا كان استخدام عدة وسائل تواصل اجتماعي في الوقت عينه يسبب عوارض الاكتئاب والقلق الاجتماعي، أو إن الأشخاص المكتئبين والقلقين يلجؤون إلى استخدام وسائل تواصل اجتماعي متعددة في الوقت عينه كوسيلة تلهيهم عن مشكلاتهم.
وأكد ناصر أن الأطفال ضحية سهلة للإنترنت، وهم معرضون للإدمان أيضاً، وقد يتعرضون لتشويه نفسي خطير (مواقع إباحية، مواقع عنف..) أو للابتزاز، لذا فعلى الأهل توجيههم ومراقبتهم وحمايتهم بجدّية ومسؤولية.
مشيراً إلى دراسة أجرتها منظمة (أنقذوا الأطفال) العالمية كشفت أن تقنيات الاتصال الحديثة أوجدت جيلاً من الأطفال يعاني من الوحدة وعدم القدرة علي تكوين صداقات.
والمفارقة المدهشة في ثورة الاتصالات يقول ناصر: إنها قربت المتباعدين وأبعدت المتقاربين، فالمرء يتواصل بانسيابية واستمتاع مع أشخاص من أقاصي الأرض، ويخصص لذلك وقتاً طويلاً، ولكنه يستثقل أن يمر على أمه للاطمئنان عليها، أو أن يمنح أبناءه ساعة من وقته، أو أن يفارق مقعده ليتنزه مع أصدقائه الحقيقيين. أما زوجته الجالسة بالقرب منه ، فلا تسمع منه كلمة إطراء، بينما يقضي ساعات بمغازلة وملاطفة صديقاته الافتراضيات.
ويؤكد الباحث، إن استخدام الإنترنت من قبل العديد من الناس وخصوصًا شرائح المراهقين والشباب أصبحت من الظواهر التي يرى الإنسان العادي انعكاساتها مع كل من يتعامل مع هذه الشرائح، فاستخدام الإنترنت أصبح بديلاً للتفاعل الاجتماعي الصحي مع الرفاق والأقارب، وأصبح همّ الفرد قضاء الساعات الطويلة في استكشاف مواقع الإنترنت المتعددة، ما يعني تغيراً في منظومة القيم الاجتماعية للأفراد، حيث يعزز هذا الاستخدام المفرط القيم الفردية بدلاً من القيم الاجتماعية، كما يؤدي إلى اضطرابات سلوكية مثل الرغبة والميل للوحدة والعزلة للمراهقين والشباب، ما يقلل من فرص التفاعل والنمو الاجتماعي والانفعالي الصحي، الذي لا يقل أهمية عن النمو المعرفي وحب الاستطلاع والاستكشاف، وإن بعض الدراسات الأولية تشير إلى أن استخدام الإنترنت يعرض الأطفال والمراهقين إلى مواد ومعلومات خيالية وغير واقعية، ما يعوق تفكيرهم وتكيفهم وينمي بعض الأفكار غير العقلانية، وخصوصاً ما يتصل منها بنمط العلاقات الشخصية وأنماط الحياة والعادات والتقاليد السائدة في المجتمعات الأخرى.
ومن أخطر الأمور على الأسرة يذكر ناصر: هو إدمان أحد الزوجين على الإنترنت، وافتتانه بمواقع إباحية، فهذا الأمر لا يزعزع الثقة الزوجية وحسب، وإنما يغير طبيعة التفكير والإحساس، ويجعل الرغبة الطبيعية توجد في ظروف خاصة، ولا يعود للمؤثرات العادية بين الزوجين أي قوة تذكر.
ويرى أن هناك ثلاثة أسباب رئيسة للإدمان: أولاً السرية، وتكمن في الإمكانية التي يوفرها الإنترنت في الحصول على المعلومات، وطرح الأسئلة والتعرف إلى الأشخاص من دون الحاجة إلى التعريف بالذات و بالتفاصيل الحقيقية، وهذا يوفر شعوراً لطيفاً بالسيطرة.
ثانياً الراحة، فالإنترنت وسيلة مريحة للغاية، وهو يوجد عادة في البيت أو العمل، ولا يتطلب الخروج من البيت أو السفر ولا يحتاج إلى المبررات من أجل استعماله. هذا التيسير يوفر حضوراً عالياً وسهولة فيما يتعلق بتحصيل المعلومات التي لم نكن لنقدر على تحصيلها من دون الإنترنت.
وأخيرا الهروب: فالإنترنت يوفر الهروب من الواقع إلى واقع بديل. ومن الممكن للإنسان الذي يفتقر إلى الثقة بالنفس أن يطير من دون جناحين، ويجد الإنسان الانطوائي لنفسه أصدقاء، ويستطيع كل إنسان أن يتبنى لنفسه هوية مختلقة وأن يحصل من خلالها على كل ما ينقصه في الواقع اليومي والحقيقي ما يؤدي لإدمان الإنترنت .
مؤكدا أن الأكثر عرضة لإدمان الإنترنت هم  الذكور، المراهقون، الانطوائيون، الكئيبون، القلقون، العاطلون عن العمل، ربات البيوت غير المنشغلات أو الوحيدات.  لافتاً إلى أن أكثر المواقع استخداماً من قبل مدمني الإنترنت هي:  مواقع الدردشة  لما فيها من مغريات للانطوائيين وكذلك الاجتماعيين، إذ تجعلهم يتحدثون مع أصدقائهم الوهميين، إضافة للمواقع الإباحية، التي يجلس بعض مدمني الإنترنت أمامها ساعات طويلة. ومواقع التدوين والمدونات، ومواقع الألعاب والأفلام، والمواقع الإخبارية والثقافية.

أعراض الإدمان

ومن أعراض الإدمان- يضيف- زيادة عدد ساعات الجلوس أمام الإنترنت بشكل مطرد تتجاوز الفترات التي حددها الفرد لنفسهِ، التوتر و القلق الشديدان في حالة وجود أي عائق للاتصال بالانترنت قد تصل إلى حد الاكتئاب إذا ما طالت فترة الابتعاد عنه، التكلم  مع الآخرين عن  الإنترنت في الحياة اليومية، قضاء وقت طويل في أنشطة متعلقة بالإنترنت: مثل تنزيل برامج وبحث عن مواقع مختلفة وغير ذلك.
يتعرض مدمن الإنترنت لخطر خسارة عمله أو علاقات مهمة في حياته أو فرص دراسية بسبب الاستخدام المفرط للإنترنت، إذ لا يحس المدمن بالوقت حين يقضيه على الإنترنت، إضافة لإهمال الواجبات الاجتماعية والأسرية والوظيفية بسبب استعمال الشبكة العنكبوتية.
ويشير إلى أن أول من وضع مصطلح «إدمان الإنترنت» Internet Addiction، هي عالمة النفس الأميركية كيمبرلي يونغ، التي تعد من أولى أطباء النفس الذين عكفوا على دراسة هذه الظاهرة في الولايات المتحدة منذ عام 1994. وتعرف «يونغ» «إدمان الإنترنت» بأنه استخدام الإنترنت لأكثر من 38 ساعة أسبوعياً. كما إنها قامت عام 1999 بتأسيس وإدارة مركز الإدمان على الإنترنت لبحث وعلاج هذه الظاهرة، وقد أصدرت كتابين عن هذه الظاهرة هما «الوقوع في قبضة الإنترنت»و «التورط في الشبكة».
وكانت يونغ قد قامت في التسعينيات بأول دراسة موثقة عن إدمان الإنترنت، شملت حوالي 500 مستخدم للإنترنت، تركزت حول سلوكهم أثناء تصفحهم شبكة الإنترنت.

العلاج من الإدمان

ويضيف: الجميع يبحث عن العلاج للتخلص من إدمان الإنترنت من دون اللجوء إلى طبيب نفسي للمساعدة في حل هذا الأمر، لذلك لا بد من اتباع عدة طرق تساعد على العلاج والشفاء من الإدمان، ولكن قبل اتباع هذه الطرق، يجب أن يوقن المدمن بأنه مريض ويحتاج للعلاج.
فإذا اعتاد المريض استخدام الإنترنت طوال أيام الأسبوع نطلب منه الانتظار حتى يستخدمه في يوم الإجازة الأسبوعية، وإذا كان يفتح البريد الإلكتروني أول شيء حين يستيقظ من النوم نطلب منه أن ينتظر حتى يفطر، ويشاهد أخبار الصباح، وإذا كان المريض يستخدم الكمبيوتر في حجرة النوم نطلب منه أن يضعه في حجرة المعيشة.. وهكذا.
لذا على المدمن ضبط المنبه، لأنه في بعض الأحيان يحدد الفرد وقتاً للجلوس على الإنترنت، ولكن لا يستطيع الالتزام به نتيجة عدم شعوره بالوقت في استخدام الإنترنت ولا يعرف أن الوقت المحدد قد مر، فأنصحه باستخدام المنبه، وضبطه على الوقت المحدد حتى إذا دق الجرس أغلق الكمبيوتر، كما يطلب من المريض تحديد وتنظيم ساعات استخدامه بحيث إذا كان –مثلاً- يدخل على الإنترنت لمدة 40 ساعة أسبوعيّاً نطلب منه التقليل إلى 20 ساعة أسبوعيّاً، وتنظيم تلك الساعات بتوزيعها على أيام الأسبوع في ساعات محددة من اليوم بحيث لا يتعدى الجدول المحدد، كما يجب على المريض الامتناع التام عن دخول الحجرات الحوارية الحية، في حين نترك له حرية استخدام الوسائل الأخرى الموجودة على الإنترنت.  تعطيل حساب الفيس بوك أو تجميده أو الإعلان عن عدم الكتابة أو التعليق. ويطلب من المريض تنظيم وقته، والتفكير في الأنشطة التي كان يقوم بها قبل إدمانه للإنترنت, ليعرف ماذا خسر بإدمانه مثل: القراءة والرياضة، وقضاء الوقت الأسرة، والقيام بزيارات اجتماعية وهكذا.
وعن المعالجة الأسرية يذكر الدكتور ناصر أن الأسرة بأكملها تحتاج إلى تلقي علاج أسري بسبب المشكلات التي يحدثها إدمان الإنترنت بحيث يساعد الطبيب الأسرة على استعادة النقاش والحوار فيما بينها ولتقتنع الأسرة بمدى أهميتها في إعانة المريض؛ ليقلع عن إدمانه.  
أما طريقة الوقاية من الإدمان يضيف: يجب تحديد أوقات معينة لاستخدام الإنترنت لا يمكن تجاوزها بأي صورة، منع استخدام الإنترنت في الغرف المغلقة، وضرورة الاهتمام بإمكانية مشاهدة ما يدخل عليه الطفل أو المراهق على الإنترنت بصفة مستمرة، وتنويع الأنشطة التي يمارسها الأطفال والمراهقون داخل وخارج المنزل، الحرص على قضاء وقت عائلي ممتع، والعمل على حل المشكلات العاطفية التي قد تنشأ في البيت أو خارجه، من خلال التعبير عن المشاعر ومواجهتها حتى لا يصبح الإنترنت وغيره مسلكاً للهرب من المشكلات،
وجعل الأسرة مكاناً خالياً من الإساءات بأنواعها المختلفة، إذ إن هذه الإساءات والجروح والتربية غير السليمة تؤدي إلى مشكلات في الشخصية وربما تؤدي للإدمان فيما بعد.
ويختم الدكتور نور الدين ناصر بالتحذير الذي أطلقه الخبراء من أن الإدمان على الإنترنت سيصنف قريباً كمرض عقلي، كما سيدرج هذا المرض في دليل الاضطرابات العقلية، رغم إصرار بعض العلماء على ضرورة دراسة هذه الظاهرة بإمعان ودقة أكبر، ويعني ذلك أن الإدمان على الإنترنت المعروف في الأوساط الطبية باضطراب استعمال الإنترنت  (Internet Use Disorder)سيصبح مرضاً معترفاً به رسميا ًيعاني منه الملايين حول العالم.

إرسال تعليق